فهم القرآن الحكيم: للدكتور محمد عابد الجابري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فهم القرآن الحكيم: للدكتور محمد عابد الجابري

مُساهمة  Admin في الجمعة مايو 09, 2008 12:22 pm

كانت الكتابة إلى وقت قريب سجينة فقر هائل على مستوى "أدوات الإفهام"، أفقر كثيرا مما كان متوافرا على مستوى الكلام. كان المتكلم والخطيب والمجادل الخ، وما يزال، يستعين، في عملية الإفهام، بالإشارة بيده وعصاه ورأسه وحاجبيه، بابتسامته وعبوسه وضحكه وبكائه. كان جسمه كله مجندا في عملية الإرسال، وكان المتلقي يتلقى تلك الإشارات فتسد لديه ثغرات الصوت وتقطعه وارتجاجه... أما الكاتب فلم يكن يملك سوى أن يبدأ من أقصى نقطة في الورقة (على اليمين إن كانت اللغة تبدأ من اليمين، أو على اليسار إن كانت بالعكس)، راصَّا الحروف والكلمات جنبا إلى جنب، حتى إذا انتهت الورقة انتقل إلى أخرى واضعا علامة يفهم منها ما يفهم من كلمة "يتبع"، ثم يستمر هكذا. وإذا ما هو شعر بأن ما سيكتب لا يشكل جزءا من الكلام الصامت الذي ينقله إلى "الخط" وضع كلمة "فصل"، إشعارا بأن ما سيخط في تلك اللحظة، منفصل عما مضى وعما سيأتي.

هذا الأسلوب في الخط والكتابة هو نفسه ما كان يجري به العمل في "التفسير". يبدأ المفسر –بعد البسملة- بكلمة من سورة يخطها، مميزة بعض التمييز عن كلامه هو، ثم يستمر في شرحها بإيجاز لا "يسمن ولا يغني من جوع" إن كان يكتب تفسيرا موجزا؛ أما إن كان تفسيره من الطوال فهو يبدأ بذكر نوع "القراءة" أو القراءات التي قرئت بها الكلمة ثم يأتي بما قاله فيها أهل اللغة والنحو والصرف قبل أن ينتقل إلى إيراد مرويات ترافقها استطرادات الخ، ليتحول بعد ذلك إلى اللفظ التالي من ألفاظ السورة بعد أن يكون قد مر كمٌّ هائل من الكلام عن اللفظ السابق، وهكذا... بعض المفسرين يسلك طريقة مختلفة، طريقة "التفسير بالجملة" بدل "التفسير بالتقسيط"، فيورد عدة آيات أو سورة بكاملها من المفصل، ثم ينطلق في الشرح والتعليق والاقتباس والاستشهاد والرد. مفترضا أن ألفاظ الآية أو السورة "محفوظة في صدر" القارئ –وقد كان الأمر كذلك لأن من ينتقل إلى "التفسير"، قراءة أو كتابة كان يحفظ القرآن في الأغلب الأعم. وغني عن البيان القول إن هذا الفقر الهائل الذي عانت منه الكتابة –عندنا وعند غيرنا- قد عمق الهوة بين الناس وبين ممارسة عملية الفهم لنصوصهم الدينية، وذلك إلى درجة انتقلت معها قداسة النص الديني إلى ما كتب عليه. وأمام غياب الفهم وانتشار الأمية صار المقدس ليس هو النص مستقلا عن المكتوب فيه، بل هو المكتوب فيه نفسه، تماما كما أن الاحترام للشخص المتوفى ينتقل منه، ككائن حي، إلى قبره وضريحه.

وفي المقابل من ذلك كله، يجب استحضار ذلك المجهود الكبير الذي بُذل بتقنيات عالية في تجهيز القراءة في المصحف. لقد كانت الكتابة العربية زمن النبي (ص) والخلفاء الراشدين تخط بدون نقط وبدون شكل وبدون ترقيم للآيات، حتى إن الفصل بين سورة وأخرى كان بكتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" بينها... ولكن لم يمر وقت طويل حتى صار المصحف يكتب بالنقط والشكل مع ترقيم الآيات، مجهزا بعلامات خاصة بالقراءة والتلاوة والتجويد، وهكذا انتقل إلى كلمات المصحف ما كان يخزن في جهاز الصوت عند المقرئ، فصارت طريقة قراءة القرآن رموزا مسجلة في النص، لا بد من مراعاتها عند التلاوة.

لكن هذا المجهود التقني الذي بذله المختصون في "تلاوة القرآن" منذ وقت طويل لم يبذل مثله في مجال "التفسير"، رغم تطور الكتابة وأدوات "الإفهام". نقصد بذلك ما نجهز به نصوصنا اليوم من علامات تعين على الفهم وتقوم في الكتابة مقام "علامات التلاوة" في المصحف وأيضا مقام "إشارات" المتكلم والخطيب. من ذلك الرجوع إلى أول السطر عند اكتمال التعبير عن الفكرة والانتقال إلى فكرة جديدة، ووضع نقطة عند اكتمال الجملة، والفاصلة بين الكلمات عندما يتعلق الأمر بعملية تعداد، أو للفصل بين أجزاء الجملة، للتمييز فيها بين ما هو أساسي وما هو فضلة، ووضع نقطة فاصلة بين جملتين مستقلين ولكن مترابطتين، ووضع علامة للاستفهام وأخرى للتعجب، واستعمال المزدوجتين عند الاقتباس أو عند تسجيل نوع من التحفظ، والهلالين للتفسير أو العزل وما أشبه، والمعقوفتين عند إضافة المحقق أو المقتبس كلمة أو عبارة إلى النص الأصلي، عند شعوره بسقوط تلك الكلمة أو العبارة...

بهذه العلامات يتم التغلب في الكتابة المعاصرة على كمٍّ هائل من الصعوبات التي كانت تعترض القارئ في الماضي، سواء في اللغات التي تحتاج الكتابة فيها إلى "الشكل" لإبانة المعنى أو في التي تكتب فيها علامات الشكل مع حروف الكلمات؛ فبتلك العلامات يتم التمييز في النص بين أجزاء الكلام المكتوب، مشكولا أو غير مشكول.

إن استعمال "علامات الإفهام"، هذه، يشكل جزء أساسيا مما ندعيه من الوضوح لهذه المحاولة في التفسير، التي لم نتردد في تسميتها بـ" التفسير الواضح". ذلك أنه فضلا عن دور تلك العلامات في عملية الإفهام، كما بينا أعلاه، فإنها تمكننا من جعل القارئ يرافق باستمرار نص القرآن وهو يقرأ، بين هلالين وبخط مختلف، معنى اللفظ أو العبارة من غير انتقال إلى خارج ذلك النص للبحث عن المعنى الذي قد لا يجده في التفاسير المكتوبة بالطريقة القديمة، خاصة المطولة منها، إلا بمشقة؛ أعني بعد استعراض صفحة أو صفحات يعود بعدها إلى "مكانه" مشتت الذهن، تعب البصر. وقد تمكنا في الوقت نفسه من اعتبار تموجات المعنى، باستعمال علامات الفهم والإفهام، والحفاظ في الوقت نفسه على حدود الآيات بكتابة أرقامها بحجم مصغر فوق آخر حرف من الآية، وذلك كي لا تختلط بالأرقام التي تحيل إلى الهوامش والتي ميزناها هي الأخرى بوضعها بين هلالين مرفوعة بحجم مختلف.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى عمدنا، توخيا لأكبر قدر من الوضوح، إلى تنظيم ما تورده التفاسير -من نقول ومعلومات واجتهادات متداخلا متراكما في الغالب- تنظيما مبنيا على طبيعة الموضوع. وهكذا وزعنا مادة "التفسير" في كل سورة إلى ثلاثة أقسام : تقديم، وهوامش، وتعليق.

1- أما التقديم فقوامه عرض مختصر، صدرنا به كل سورة، خصصناه لأهم المرويات التي وردت حولها كسورة، أو حول بعض آياتها، مما يعتبر من "أسباب النزول" أو ما هو مجرد مرويات تعين على الفهم أو على تحديد تاريخ نزول السورة أو ظروف نزولها الخ، مع التخفيف من سلاسل السند إلى أقصى حد؛ إذ ما الفائدة من ذكر السند لغير المختص فيه؟ أما المختص فله مراجعه ومقاييسه. كما استغنينا عن ذكر المصدر، والجزء، ورقم الصفحة، والطبعة الخ، بالاكتفاء بذكر مؤلف التفسير (مثل الطبري، الزمخشري، الرازي الخ)، لأن تفاسيرهم معروفة، ولأن الطريق إلى النص الذي نحيل إليه تقود إليه الآية ورقمها، مهما كانت الطبعة. وفي أحيان كثيرة نكتفي بعبارة "يقول المفسرون" وما في معناها لأن الأمر يتعلق برواية موجودة لدى معظمهم، والغالب ما يكفي فيها الرجوع إلى الطبري، فجل المفسرين، إن لم يكن جميعهم، عالة عليه في المرويات.

2- أما الهوامش أسفل الصفحات فقد أدرجنا فيها الشروح أو التعليقات التي نحتاج من حين لآخر إلى تسجيلها لكونها تُطلع القارئ على رأي خاص بمفسر معين، أو على مرويات أو ملاحظات يتعذر إدراجها بين الهلالين داخل النص، بسبب طولها أو عدم وجود علاقة مباشرة بينها وبين النص.

3- وكما صدرنا كل سورة بتقديم خاص بها، ختمنا تعاملنا معها بتعليق نستعيد فيه أهم القضايا التي تناولتها في شكل خلاصة مركزة، مع إبداء الرأي في هذه المسألة أو تلك.

وقبل ذلك وبعده، لا بد من الإشارة إلى أننا ميزنا في تسلسل السور حسب ترتيب النزول بين مراحل، راعينا فيها التطابق، النسبي على الأقل، بين مسار التنزيل ومسيرة الدعوة، وسيلمس القارئ بنفسه أن ما قمنا به في هذا المجال لا يعدو أن يكون مجرد وضع عناوين لكل مرحلة. وهكذا نتبين بكل وضوح أنه، مع أن القرآن نزل منجما وخلال أزيد من عشرين سنة، فإن تسلسل سوره –حسب ترتيب النزول- يباطنه تسلسل منطقي سرعان ما نكتشفه عندما ننتبه إلى الموضوع الذي تركز عليه هذه المجموعة من السور أو تلك في تسلسلها؛ وبالرجوع إلى وقائع السيرة نكتشف أن ذلك المنطق، الذي يباطن تسلسل السور داخل كل مجموعة، يتطابق في مضمونه مع تسلسل هذه الوقائع؛ الشيء الذي نتبين منه بوضوح أن مسار التنزيل مساوق فعلا لمسيرة الدعوة([6]).

وهكذا ميزنا في مسار التنزيل ومسيرة الدعوة، خلال العهد المكي، بين ست مراحل :

- المرحلة الأولى : في النبوة والروبية والألوهية.

- المرحلة الثانية: في البعث والجزاء ومشاهد القيامة.

- المرحلة الثالثة: في إبطال الشرك وتسفيه عبادة الأصنام.

وهذه المراحل الثلاثة هي التي تشكل محتوى هذا القسم الأول الذي يضم اثنتين وخمسين سورة : من سورة العلق ("اقرأ باسم ربك" وهي أول سورة نزلت)، إلى سورة يوسف التي ختمنا بها هذا القسم. أما السور الأخرى الباقية من القرآن المكي فتضمها المراحل، الرابعة والخامسة والسادسة، وهي موضوع القسم الثاني من الكتاب. أما القرآن المدني فسيستقل به القسم الثالث. وكما صدرنا كل مرحلة باستهلال، موجز في الغالب، ختمناها باستطراد استشرافي، طويل في الأغلب الأعم، قدمنا فيه ما يناسب المرحلة من بيانات إضافية تتعلق بموضوع من الموضوعات التي ركزت عليه سور المرحلة.

ولا بد من الإفصاح هنا عن مدى شعورنا بالرضى والتوفيق ببناء هذا التفسير على أساس ترتيب النزول، ليس فقط على مستوى ما عبرنا عنه في "التعريف بالقرآن" بمسار "الكون والتكوين"، ونعبر عنه هنا بـ"مسار التنزيل"، بل أيضا على مستوى مسيرة الدعوة المحمدية والسيرة النبوة. والواقع أنه إذا كان من الضروري التعبير، في كلمات معدودة، عن جوهر ما دشنا القول فيه بهذا العمل، فنحن لا نتردد في ادعاء أننا نشعر بالتوفيق في "قراءة القرآن بالسيرة وقراءة السيرة بالقرآن". ذلك أن هذا النوع من القراءة المزدوجة قد مكنني من التعرف على حقيقة ذلك السر الذي أشرت إليه في نهاية خاتمة "المدخل إلى القرآن" عندما كتبت أقول : "وعلي أن أعترف الآن أن هناك سرا لم يستطع عقلي اكتناه حقيقته: إنه هذا الذي عبرنا عنه بـ "العلاقة الحميمية" بين الرسول محمد بن عبد الله وبين القرآن الحكيم".



***

كلمة أخيرة بصدد أقسام هذا الكتاب : لقد كانت النية متجهة في الأصل إلى كتابة جزء ثان لـ"المدخل" كما أعلنا عن ذلك، لكن عندما قادنا البحث إلى مشروع كتابة "تفسير"، حسب ترتيب النزول، بديلا عنه، قررنا جعله جزأين: الأول في القرآن المكي ومحوره العقيدة والأخلاق، والثاني في القرآن المدني ومحوره الأحكام والتشريع للدولة. واشتغلنا على هذا الأساس. غير أن طول الجزء الأول الذي كان من المفترض أن يكون بين يدي القارئ الآن بكامله، جعلنا نفضل جعله قسمين الأول هو هذا الذي بين يدي القارئ، والثاني سيليه، إن شاء الله، بعد نحو شهرين أو ثلاثة. أما القسم الثالث الذي سيكون خاصا بالقرآن المدني فأملنا أن يكون بين أيدي القراء مع نهاية السنة.

عسى أن أكون دائما عند حسن الظن. وما توفيقي إلا بالله.

Admin
Admin

عدد الرسائل : 418
العمر : 50
الدولة : 0
تاريخ التسجيل : 09/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohamedelalaoui.forumn.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى